أكد أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، أن مشروع “مرصد التراث المعماري والعُمراني” هو إسهام عربيٌ مُقدر في مجال حماية التُراث والحفاظ عليه. المدينة العربية المُعاصرة هي أحوج ما تكون اليوم لمثل هذه المبادرات من أجل إنقاذ معالمها ومواقعها الأثرية والتاريخية، وحماية هذه المواقع من التعرض لخطر الاندثار سواء بالإهمال والبلادة، أو التعمد والقصد.
جاء ذلك بكلمته اليوم خلال الاحتفال بمشروع المرصد الذي تم إطلاقه بمقر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالعاصمة التونسية في الثالث من أكتوبر الماضي، وذلك تنفيذاً لقرار مؤتمر الوزراء المسئولين عن الشئون الثقافية في الوطن العربي الذي عُقد بالمنامة عام 2012، وكذا قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة بدورته 94 بالقاهرة في ديسمبر 2014.
وقال أبو الغيط “لقد شاهدنا جميعاً بكل الأسى ما حلّ ببعض المواقع الأثرية العربية من تدمير وتخريب على يد عصابات الإرهاب. ورأينا كيف صارت آثارنا الغالية نهباً للهمج واللصوص. إن من بواعث الألم حقاً أن يأتي بعضٌ ممن ينسبون أنفسهم إلى هذه الأمة، ويقترفون بحق ماضيها وهويتها جرائم تُذكرنا بما جرى لآثارنا في زمن الاستعمار من عملية نهبٍ منظم، لا زالت كُبرى المتاحف العالمية شاهدة عليها…. واليوم، وبعد ما جرى من سرقة ونهب على يد المُستعمِر، ها هي آثارنا وقد صارت عُرضة للتدمير والتخريب على أراضينا، وأمام أعيننا”.
وتابع “المدينة العربية كما تعلمون لها طابع خاص. هي ليست مدينة ذات تكوين بسيط أو جغرافيا سهلة، كغيرها من المدن المُعاصرة، وإنما هي طبقات فوق طبقات من التاريخ البعيد والقريب… إنها مدينةٌ غنية بكل ما تحمله الكلمة من المعنى… وما من بلدٍ عربي إلا وشهد تمازجَ ثقافاتٍ، وتعاقبَ حضاراتٍ يعود بعضها لعصور ما قبل التاريخ”.
وعلى ضفاف النيل ودجلة والفُرات عرف البشر سُكنى المُدن للمرة الأولى.. عرفوا الزراعة والكتابة.. مارسوا الفن والعُمران.. على سواحل الهلال الخصيب ظهرت الأبجدية الأولى.. على هذه الأرض، منذ ما يربو على خمسة آلاف عام، ارتفعت أولى المعابد، و شُيدت القصور، وأُقيمت المسلات. هاهنا وُلد كل معنى نبيل وجميل يجعل البشر أرقى وأكثر سمواً ورِفعة.
وأردف “ما زالت الكثير من الحواضر العربية تحتضن آثار هذا التاريخ البعيد.. سواء في بغداد أو القاهرة أو دمشق أو صنعاء أو غيرها من مدننا الشامخة.. بين جنبات تلك المُدن، وفي ميادينها وساحاتها وشوارعها وحاراتها، امتزجت الحضارة الإسلامية وتراثها المعماري الفريد، بالحضارات القديمة وآثارها الباقية… إنه امتزاج استثنائي يكاد ألا يكون له مثيل في العالم”.
وشدد أبو الغيط على أن حماية وصيانة هذا الموروث الثقافي المُتراكم والمتداخل، في مُدن يسكنها الملايين من البشر، ويؤمها مئات الآلاف من السائحين كل عام، تُمثل تحدياً كبيراً.. وواجباً ومسئولية على الحكومات وكل الفعاليات المُجتمعية والأهلية.. فضلاً عن كونها أولوية رئيسية على أجندة العمل العربي المُشترك.
وختم الأمين العام، إن “مرصد التراث المعماري والعمراني في الدول العربية” هو بمثابة الآلية التنفيذية لتحقيق ما نص عليه ميثاق جامعة الدول العربية من ضرورة الحفاظ على التراث العربي.. وتعلمون الدور المشهود الذي طالما قامت به الجامعة في هذا المجال، وسوف تستمر في الاضطلاع بهذا الدور بإذن الله، سواء من خلال هذه المبادرة أو غيرها من المبادرات الخلاّقة والمُبدِعة.
الان

