تتوجه الأنظار حاليا إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتسليم مهام تشكيل الحكومة للحزب الفائز (العدالة والتنمية) والحاصل على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، وتدخل تركيا حاليًا مرحلة حرجة لمدة 45 يومًا لتشكيل حكومة جديدة، بعد أن عجزت كل الأحزاب المشاركة فيها عن الحصول على نسبة من الأصوات تخولها تشكيل حكومة بمفردها.
وكان سعدي كوفن رئيس المجلس الأعلى للانتخابات بتركيا قد أعلن الخميس النتائج النهائية الرسمية للانتخابات البرلمانية التي عقدت في السابع من الشهر الجاري.
وقال إن حزب “العدالة والتنمية” الحاكم حصل على 258 مقعدًا من مجموع 550 إجمالي مقاعد البرلمان بالبلاد بنسبة 40.87%، فيما حصل حزب الشعب الجمهوري على 24.95%، أي 132 مقعدا، وحزب الحركة القومية على 16.29%، أي 80 مقعدا، وحزب الشعوب الديمقراطية الكردي على 13.12%، أي 80 مقعدا.
وأضاف كوفن أن 46 مليونا و163 ألفًا و243 ناخبا شاركوا في عملية التصويت من إجمالي 53 مليونا و765 ألفًا و231 ناخبا بالبلاد يحق لهم التصويت، أي بنسبة 83.92%، وبلغ عدد الأصوات الباطلة منها مليونا و344 ألفٍا و224 صوتا.
وفي أغسطس الماضي، اقتنص إردوغان 52% من الأصوات ليصبح أول رئيس دولة منتخب انتخابا شعبيا مباشرا بعد أن شغل رئاسة الوزراء لما يقرب من 12 عاما وليضطلع بدور شرفي إلى حد كبير كان يعتزم تحويله إلى منصب تنفيذي قوي.
لكن بعد مرور عشرة أشهر فقط، يقف حزب العدالة والتنمية الذي كان يأمل أن يصدق على تلك الخطة عاجزا عن تشكيل حكومة بمفرده بعد أن خسر أغلبيته البرلمانية لأسباب يرجعها البعض إلى طموح إردوغان الزائد.
ويبدو أن تعجل إردوغان في محاولة إقامة نظام رئاسي والاستحواذ على سلطات أوسع، إضافة إلى تعويله على دائرة مستشارين أضيق كان من الحسابات الخاطئة التي ألحقت ضررا بشخصية سياسية متألقة.
ويقول منتقدوه إنه أخل بالتزامه بان يسمو فوق السياسة الحزبية عندما قاد حملة صريحة لدعم الحزب الحاكم، ومع هيمنته الطاغية على القنوات والإذاعات قبل التصويت والتي زادت خلال إحدى المراحل عن 44 ساعة من البث التلفزيوني المباشر في أسبوع واحد تحول الأمر إلى استفتاء على شخصه ورؤيته لرئاسة نافذة. وتحدث كثيرون عن عدم تريثه.
ومع كل هذا الجهد لم ينل حزب العدالة والتنمية سوى 40.9%، وقال مسئول كبير عمل مع إردوغان لنحو 10 سنوات وما يزال قريبا من الحزب الحاكم إنه “تعجل جدا.. نعم أصبح رئيسا بعد حصوله على 52% من الأصوات، لكن من الواضح الآن أنه اتخذ هذا القرار قبل الأوان.. تعجل في ترك منصب رئيس الوزراء”.
فخلال أول فترتين من عمله رئيسا للوزراء نال إردوغان إشادة من الداخل والخارج لإصلاحاته السياسية والاقتصادية إذ أعلى الكلمة المدنية على كلمة الجيش وسعى لتكامل أكبر مع الاتحاد الأوروبي وشهدت سنوات حكمه زيادة حادة في الدخول.
لكنه مني بسلسلة انتكاسات في السنوات الأخيرة منها احتجاجات مناهضة للحكومة في صيف 2013 وفضيحة فساد تكشفت بعد ذلك بستة أشهر مما أذكى لديه شعورا مرضيا بالاضطهاد، ويلمس البعض أيضا غطرسة في ملاحقته المنتقدين بتهمة “إهانة الرئيس” في التغريدات أو المقالات أو الاحتجاجات.
أما إردوغان فيرى أنه يبني تركيا جديدة ويدافع عنها أمام نخبة علمانية متشددة قديمة، يقول إنها عاملت المتدينين المحافظين لعقود على أنهم رعايا من الدرجة الثانية وسجنته لفترة قصيرة عام 1999. أما بطله السياسي فهو رئيس الوزراء السابق عدنان مندريس وهو إصلاحي لم يكن يقبل المعارضة وأطيح به في انقلاب عام 1960 وأعدم شنقا.
ومع اختلافه مع الغرب على قضايا تبدأ من سوريا و”إسرائيل” وتنتهي بما إن كان قتل القوات العثمانية للأرمن قبل قرن من الزمان “إبادة جماعية”.. بدا إردوغان معزولا على الساحة العالمية.
وفي الوقت نفسه ضعفت الليرة وخسرت اسطنبول محاولة استضافة دورة الألعاب الأولمبية عام 2020، وعزا إردوغان ما واجهه من أحداث سلبية لمؤامرة مدعومة من الخارج وألقى وفقا لمسئولين في أنقرة، بثقته في دائرة ضيقة من المساعدين.
وقد شكل إردوغان (61 عاما) حزب العدالة والتنمية عام 2001 كتحالف يضم متدينين محافظين وعناصر قومية وأخرى من يمين الوسط. وأنهت الحركة عصرا من الحكومات الائتلافية الهشة وفاز بنصيب متزايد من الأصوات في ثلاثة انتخابات عامة متعاقبة.
وكان الرئيس السابق عبد الله جول ونائب رئيس الوزراء بولنت أرينتش اللذان شاركاه تأسيس حزب العدالة والتنمية من أذرعه اليمنى حتى وقت قريب. وكان كلاهما يعتبران أكثر ميلا للمصالحة وكانا بمثابة قوة توازن تحد من نزعاته الصدامية.
لكن خبا نفوذهما مع بروز دائرة أصغر من المستشارين الجدد منهم يجيت بولوت المعلق التلفزيوني السابق الذي اتهم يوما معارضي إردوغان بالسعي لقتله من خلال التأثير الذهني عن بعد والذي عينه العام الماضي رئيسا لفريقه الاقتصادي.
وقال مصدر كبير في العدالة والتنمية: “أعتقد أنه لو كان فريق مستشاريه أفضل لعرض إردوغان نفسه بشكل أفضل أمام تركيا والعالم ولواصل طريقه كزعيم أقوى كثيرا”.
وفي انتقاد ضمني لإردوغان، قال أرينتش للتلفزيون التركي في فبراير إن زيادة الاستقطاب ستثير “مناخ كراهية” بين الخمسين في المئة الذين لا يؤيدون العدالة والتنمية وستقوض حكم البلاد.
وأضاف أرينتش، الذي تنتهي فترته حين يؤدي البرلمان الجديد اليمين: “حين كنا نسير في الشارع من قبل كان مؤيدونا يعبرون عن حب بالغ. وكانت المعارضة تشعر … باحترام”، وتابع “أما الآن فأستشعر نظرة كراهية. هناك تشدد واستقطاب وانقسام إلى معسكرات”.
حتى لغة إردوغان التي كانت يوما أحد أسلحته القوية باتت تساعد في ذلك الانقسام وبات معارضوه يوصفون بأنهم “إرهابيون” أو “خونة” أو “حثالة”.. ومع تزايد النغمة الدينية في كلامه تزداد مخاوف ناخبيه الذين وثقوا بكلمته بأنه لن يسعى لتقويض النظام العلماني.
ويوحي كتاب جديد كتبه أحمد سيفر مساعد جول بأن الرئيس السابق دخل في صراع صامت على السلطة مع إدروغان الذي كان رئيسا للوزراء في ذلك الوقت على قضايا منها احتجاجات 2013 وقوانين تقييد استخدام الإنترنت والسياسة الخارجية.
ويروي أن جول (وهو الشخص الوحيد الذي ينظر إليه على أنه قادر على تحدي إردوغان في الداخل) كان يفكر في أمر عودته للساحة السياسية بعد انتهاء فترته لكن إردوغان عرقل مساعيه.
ومارس إردوغان سلطاته التي يكفلها له الدستور حتى النخاع وأمسك بزمام الحكومة منذ توليه الرئاسة في أغسطس الماضي حتى أن اجتماعات مجلس الوزراء باتت تعقد في قصره.
وإذا حدث ونجح حزب العدالة والتنمية في إيجاد شريك يشكل معه ائتلافا حاكما فستذهب هذه الأيام أدراج الرياح ولو خلال الوقت الراهن على الأقل. فقد أوضح منافسوه أنهم لن يتهاونوا أمام تدخله في عمل الحكومة.
الان

