تقوم د.جاسمين موسى، مدرس القانون بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بالبحث عن طرق لمعالجة مشكلة سياسات نهر النيل، ولفتت إلى أن القوانين الدولية الخاصة بنهر النيل تعتبر واسعة للغاية، وغير واضحة المعالم وغير متطورة. وبالتالي، تفتقر هذه القوانين إلى القدرة على إيجاد حلول للمشكلات التي تتعلق بمياه النهر ودول حوض النيل.
ترتبط أولى القضايا الرئيسية المتعلقة بنهر النيل بشكل مباشر بقضية توزيع المياه على الدول المجاورة. وتتجلى هذه المشكلات بأشكال عدة. تقول جاسمين “أننا نواجه حالياً ندرة حادة في المياه، في مصر والسودان في المقام الأول”، وتشير إلى أن هذه القضية تعمق النزعة الحماسية لدول حوض النيل للتنافس على المياه.
وأوضحت “أن التأخر التنموي والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية المتضاربة لدول حوض النيل تفضي إلى ازدياد حدة التوترات بينها حيث تتصارع هذه الدول لتخصيص حصص أكبر من المياه. وبعبارة أخرى، “بينما يعتمد المزارعون المصريون على مياه النيل في رزقهم ومعيشتهم، وتعتمد مصر كدولة على مياهه في الزراعة، والصناعة، والاستهلاك المحلي، تواجه دول حوض النيل الأخرى تحديات أخرى مماثلة. فعلى سبيل المثال، تفتقر إثيوبيا إلى الطاقة بصورة حادة وتحتاج إلى الطاقة المائية لتحقيق النمو، ولذلك هي تسعى حالياً إلى استغلال نهر النيل”.
وتزداد حدة المشكلات الناتجة عن الاحتياجات المتباينة لكل دولة على حدة بسبب مشكلة إهدار المياه حول العالم. إن استخدام المياه بصورة تؤدي إلى إهدارها يزيد من حدة التوترات بين دول حوض النيل نتيجة للتوزيع غير العادل لحصص المياه، وذلك نتيجة لاختلاف استخدامات المياه والتغيرات المناخية من دولة إلى أخرى.
أما القضية الثانية الرئيسية والتي تتعلق بالسياسات الخاصة بمياه النيل هي قضية “الاستحواذ على الأراضي”. توضح جاسمين أن مصطلح “الاستحواذ على الأراضي يشير إلى الممارسة أو الظاهرة التي أصبحت واسعة الانتشار في القارة الأفريقية، حيث تستحوذ كبرى الشركات العالمية على أراض بأسعار بخسة بغرض الإنتاج الزراعي على نطاق واسع. ويتم بيع المحاصيل الزراعية بالأسعار العالمية في الأسواق، ومن ثم لا تساهم هذه الممارسة في حل المشكلات التي تتعلق بالأمن الغذائي لدول حوض النيل. وتفتقر هذه الممارسة إلى التشريعات والقوانين المنظمة مما يعني إمكانية استغلال العمالة وبالتالي تأثر سكان البلاد الأصلين سلبا.
وتثير ممارسة الاستحواذ على الأراضي عدد لا يحصى من المشكلات الاجتماعية داخل دول حوض النيل، حيث تقوم الشركات الكبرى باستغلال الشعوب الممثلة تمثيلاً ناقصاً. وتضيف موسى “أنه لا توجد ضمانات بأن هذه الشركات ستلجأ إلى استخدام تقنيات غير مهدرة للمياه أو أنها ستحجم عن التأثير على جودة المياه بشكل سلبي.
وتابعب “على نطاق أكثر اتساعاً عن اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، يعتبر القانون الدولي العام مبهم وغير محدد للغاية فيما يتعلق باستخدام مياه الأنهار عابرة الحدود. وبالرغم من أن القانون الدولي يوضح أن المعاهدات الثنائية والخاصة بنهر النيل لا زالت سارية، فإن الدول التي تقع عند منبع النيل ترفض ذلك. وتسعى تلك الدول، التي ترفض تطبيق المعاهدات الخاصة بنهر النيل، جاهدة إلى استبدال الالتزامات والمبادئ التي تشترط عليها تلك المعاهدات بمبادئ أخرى تكون أكثر اتساعاً وشمولاً حول الاستخدام العادل والسليم للمياه، إلا أن التعريف الدقيق لهذه المبادئ والعلاقة بينها يعتبر غير واضح. وبالإضافة إلى ذلك، رفضت دول حوض النيل صلاحية المحاكم الدولية في الفصل في النزاعات الناشئة فيما بينهما”.
وأضافت “نحتاج إلى صياغة سياسات شاملة لتنظيم كل ما يتعلق بنهر النيل ومياهه. وبينما ينتاب الدول الواقعة عند منبع النهر القلق لرغبتها في تحقيق النمو، إلا أن مصر أيضاً لديها قلق مشروع لأن المياه التي تحصل عليها تعتبر شحيحة وذلك مقارنة ببعض دول حوض النيل الأخرى. وبناءً عليه، تكرس موسى دراساتها للبحث وصياغة السياسات التي يمكن تطبيقها فيما يتعلق بنهر النيل.
ومن أجل التوصل إلى حلول للمشكلات سالفة الذكر، قدمت جاسمين مقترحات تكمن في انتهاج ثلاثة مسالك لتكون بمثابة نقطة الانطلاق، وقالت “يفضي المسلك الأول بحتمية توضيح وتفسير نصوص القانون المطبق. لا توجد أي دولة في العالم ترغب في أن تبدو وكأنها تنتهك القانون الدولي، ومن ثم فإن تواجد نظام قانوني راسخ يقوم بتحديد وتنظيم الحقوق والالتزامات قد يساعد في حل الخلافات حول استخدام مياه نهر النيل”.
ويفضي المسلك الثاني بحتمية الحصول على مساعدة طرف ثالث في حسم المنازعات الناشئة حول نهر النيل “إن تمكنت دول حوض النيل من الاتفاق على اللجوء إلى محكمة دولية لحل المنازعات، سيضمن ذلك تواجد طرف ثالث غير متحيز يتحلى بإمكانية حل المنازعات بالطريقة التي تضمن احترام مبادئ القانون”.
أما المسلك الثالث، وهو المسلك الأكثر أهمية، يكمن في حتمية تبني الجهات الحاكمة في الدول التي تعتمد على النيل تطبيق بعض الممارسات التعاونية، بدلاً من الممارسات الانفرادية “يعتبر انتهاج مسلك تحقيق الفوز لجميع الأطراف أو تحقيق مكاسب متبادلة هو أفضل نموذج تطبيقي. يتيح انتهاج هذا المسلك تحقيق الفوائد والمزايا المتبادلة لجميع الدول التي تقع على ضفاف النهر، وذلك من خلال التخصيص العادل لكافة استخدامات مياه نهر النيل”.
يذكر أن جاسمين شاركت في تأسيس منظمة “مؤسسة المياه من أجل النيل”، وهي منظمة غير حكومية، مع مجموعة من خريجي الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث تقوم المجموعة بتقديم المشورة حول السياسات التي تتعلق بنهر النيل والبحث عن حلول مختلفة لتقريب وجهات نظر الدول المعنية، والتركيز على الجوانب القانونية والمؤسسية والاقتصادية والثقافية لنهر النيل العظيم.
وقد تلقت جاسمين شهادة الليسانس والماجستير من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ثم عادت لتنضم لأعضاء هيئة التدريس هذا العام بعد حصولها على الدكتوراه من جامعة كامبريدج في القانون.
الان

