عام آخر يمر على الصحافة ووسائل الإعلام المصرية، لم تخف وطأة الانتهاكات فيه عما قبله؛ حيث سجل مرصد “صحفيون ضد التعذيب” 727 انتهاكًا على مدار عام 2016، وهو رقم متقارب مع عدد الانتهاكات الواردة في تقرير العام السابق عليه (720 انتهاكًا).
وتختلف طبيعة وجوهر الانتهاكات داخل هذا الحصر الرقمي إلى حدٍ كبير عن 2015 بشكل يكاد يكون أكثر عنفًا، حيث تزايدت أحكام حبس الصحفيين بشكل كبير.
وعلاوة على ذلك، تم اقتحام نقابة الصحفيين في سابقة فريدة من نوعها، وتطورت تداعيات ذلك الاقتحام من حصار للنقابة والترصد الأمني للصحفيين، إلى إصدار الحكم بالحبس على كلٍ من نقيب الصحفيين، ومقرر لجنة الحريات بالنقابة، وسكرتير عام النقابة، فيما استمر انتهاك المنع من التغطية في صدارة الانتهاكات؛ إذ غلب على معظمها صفة الانتهاك الجماعي، كما شهد هذا العام صعود الجهات القضائية كأحد أبرز المعتدين على حرية الصحافة والإعلام.
ومن أهم المؤشرات على وضع حرية الصحافة في مصر، هو عدد الصحفيين المحبوسين على خلفية عملهم الصحفي أو أثناء تأديتهم لعملهم؛ فخلال عام 2016 تزايدت أحكام الحبس عن الأعوام السابقة.
وقد شهد الهيكل التشريعي للصحافة والإعلام خلال هذا العام تغييرًا متمثلًا في صدور “قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام”، وهو أحد تشريعين من المفترض صدورهما لتنظيم الصحافة والإعلام في مصر؛ كخطوة إيجابية نحو إصلاح وضع وسائل الإعلام في مصر، إلا أن هذا القانون أثار حفيظة أغلب القطاع الصحفي والإعلامي، ورأوا فيه وسيلة لفرض سطوة السلطة التنفيذية.
كما كان من المتوقع أن يكون من ضمن التغييرات التشريعية، تعديل المواد التي تعاقب بالحبس في قضايا النشر، وقانون “الحصول على المعلومات”؛ باعتبارهما قوانين مكملة للدستور ولهما أهمية كبرى بشأن التخفيف من حدة ووطأة الانتهاكات الصحفية، وبخاصة قانون الحصول على المعلومات؛ إذ أن انتهاك المنع من التغطية أكثر ارتكابًا، وهو غير مقصور على سلطة معينة بل تشترك السلطات الثلاث في الانتهاكات التي تمس بشكل أصيل الحصول على المعلومات.
يذكر أن مصر جاءت في مؤخرة التصنيف العالمي للحريات الصحفية، عبر القائمة التي أعدتها منظمة “مراسلون بلا حدود”، حيث احتلت المرتبة 159 من أصل 180.
وسجل مرصد “صحفيون ضد التعذيب”، 727 انتهاكًا خلال عام 2016 في مختلف أنحاء الجمهورية على نطاق 23 محافظة، حيث تم توثيق 490 انتهاكًا توثيقًا مباشرًا، من خلال الفريق الميداني أو شهادات للمرصد، كما تم توثيق 237 انتهاكًا بصورة غير مباشرة، من خلال مصادر صحفية أو منظمات حقوقية.
وللمرة الثانية على التوالي، جاء انتهاك “المنع من التغطية الصحفية أو مسح محتوى الكاميرا” في مقدمة الانتهاكات بموجب 267 انتهاكًا لعام 2016، وكان أغلبها منع تغطية جلسات المحاكمات وجلسات البرلمان، فيما جاء 231 انتهاكًا منهم في صورة انتهاك جماعي لمجموعات كبيرة من الصحفيين، في حين جاء 36 انتهاكًا منهم بصورة فردية.
كما جاء في المرتبة الثانية انتهاك “تعدي بالقول أو التهديد”؛ حيت تم رصد 94 حالة انتهاك، منهم 29 حالة انتهاك جماعي، تضاعف هذا الانتهاك مقارنة بالعام السابق، حيث كان في المرتبة الرابعة بموجب 59 انتهاكًا.
فيما تزايدت أحكام الحبس في عام 2016 بشكل كبير مقارنة بالعام السابق، وصلت إلى 16 حكمًا بالحبس على صحفيين، بعد أن كانت 9 أحكام خلال العام السابق؛ مما يشير إلى أن سيناريوهات حبس الصحفيين لم تتراجع على الإطلاق، بل تضاعفت وأفرد التقرير جزءًا لعرضها سابقًا.
كما سجل المرصد 90 حالة “تعدي بالضرب أو إصابة”، و57 واقعة “احتجاز بدون وجه حق”، وهو احتجاز في أي مكان خارج أماكن الاحتجاز الرسمية سواء من مواطنين أو من قوات الشرطة، فيما جاءت 38 واقعة “قبض أو اتهام”، مقابل 31 ملاحقة قضائية بتقديم بلاغات ومحاضر؛ منهم 4 بلاغات ضد صحفيين بتهمة “انتحال صفة صحفي”، على الرغم من توجيه التهم لصحفيين من ممارسي مهنة الصحافة.
كما وقعت 28 حالة استيقاف أو احتجاز للتحقيق من جانب وزارة الداخلية بشكل قانوني على مدار العام، فيما جاءت 17 حالة فرض غرامة مالية بحكم قضائي، و15 حالة بالتحفظ على معدات صحفية من رجال الداخلية، بينما سُجل 12 حالة تعدي بالضرب داخل مكان احتجاز، فضلًا عن 9 حالات استيلاء على معدات صحفية، و9 حالات إتلاف أو حرق معدات صحفية، بينما صدر 11 قرارًا بحظر النشر على مدار العام.
كما شهد عام 2016، 8 حالات منع بث أو إيقاف مؤقت تتعلق بإيقاف بث مواد تليفزيونية بعينها أو إيقاف مؤقت لعدد من جريدة، فضلًا عن 5 حالات حكم قضائي بفرض كفالة مالية، و5 حالات منع من دخول نقابة الصحفيين، و4 وقائع اقتحام مقر مؤسسات صحفية، فيما وقعت 3 حالات منع من النشر تتعلق بمنع كتابات أو مقالات بعينها من النشر، وكذلك 3 حالات إخلاء سبيل بكفالة مالية، علاوة على حالتي تحرش لفظي أو جسدي، وحالتي منع من السفر خارج البلاد، وحالة واحدة تحقيق إداري تأديبي، وحالة واحدة منع من دخول البلاد.
وتصدرت الصحف المصرية الخاصة قائمة الجهات الأكثر عُرضة للانتهاك على مدار عام 2016، حيث تعرض العاملون بها لانتهاكات بإجمالي 161 انتهاكًا، تليها شبكات الأخبار والصحف الإلكترونية بموجب 84 انتهاكًا، إضافة إلى 60 انتهاكًا ضد القنوات المصرية الخاصة، بينما وقعت 21 حالة انتهاك لصحف مصرية حكومية، مقابل 14 حالة انتهاك لنقابات عامة، فضلًا عن 13 انتهاكًا لصحف مصرية حزبية، و13 حالة انتهاك أخرى لصحف أجنبية، بينما وقعت 9 حالات انتهاك لقنوات أجنبية، و5 انتهاكات لقنوات مصرية حكومية.
وشهدت القاهرة 63% تقريبًا من الانتهاكات ضد الصحفيين على مدار عام 2016، بموجب 454 انتهاكًا، وهو ما اعتدنا عليه من مركزية متأصلة في القاهرة، حتى في الانتهاكات ضد الصحفيين خلال كل الأعوام السابقة.
وجاءت الجيزة في المرتبة الثانية بموجب 145 انتهاكًا، والإسكندرية في المرتبة الثالثة بموجب 20 انتهاكًا، فيما وقع 11 انتهاكًا في الغربية، و11 انتهاكًا آخرًا في الدقهلية، مقابل 10 انتهاكات في بني سويف، و8 انتهاكات لكل من (أسوان، وأسيوط، والسويس، وبورسعيد).
فيما شهدت محافظة القليوبية 7 انتهاكات، ودمياط 5 حالات، بينما وقعت 4 انتهاكات في كلٍ من (المنيا، والأقصر، الفيوم، وكفر الشيخ)، بينما جاءت 3 حالات في كلٍ من (الإسماعيلية، والبحيرة، والوادي الجديد)، بينما وقع انتهاكين في كل من (قنا، والشرقية، والمنوفية)، وتم تسجيل انتهاك واحد لمحافظة شمال سيناء، بينما لم تأتِ محافظات جنوب سيناء، ومطروح، وسوهاج، والغردقة، بأي انتهاكات لهذا العام.
وكان الذكور الأكثر نصيبًا في الانتهاكات بموجب 354 انتهاكًا خلال 2016، مقابل 58 انتهاكًا للإناث، بينما جاء 315 حالة انتهاك جماعي لمجموعات كبيرة من الصحفيين والصحفيات باختلاف أنواعهم وتخصصاتهم والجهات التي يعملون بها.
وعلى مدار 2016، كان المصورون هم الأكثر تعرضًا للانتهاك بإجمالي 155 انتهاكًا، يليه في المرتبة الثانية “المحرر” بموجب 71 انتهاكًا، ثم “المراسل” بموجب 61 انتهاكًا، فيما تعرض “الصحفي” بموجب 54 انتهاكًا، ووقعت 38 حالة انتهاك لـ”إداري”، مقابل 21 انتهاكًا للمذيعين، و3 كتاب، ورسام كاريكاتير واحد.
فيما وقع 323 انتهاكًا لصحفيين غير محددي التخصص في حالة الانتهاكات الجماعية؛ حيث يصعب رصد التخصصات لمجموعات كبيرة من الصحفيين لاختلافها وتنوعها.
وجاءت توصيات التقرير، بضرورة تضمين الستة صحفيين المحبوسين الصادر بشأنهم أحكام نهائية ضمن العفو الرئاسي القادم، وأيضا الإفراج عن الصحفيين المحبوسين احتياطيًا، وعددهم 13 صحفيًا، واتخاذ إجراءات احترازية بديلة.
والتعديل الفوري للمواد التي تسمح بحبس الصحفيين في قضايا النشر، وكذلك التوقف عن استهداف الصحفيين الميدانيين، وإلزام قوات الأمن بتوفير الحماية الكاملة للصحفيين ومعداتهم أثناء عملهم الميداني.
واحترام حق الصحفيين في تغطية الشئون العامة، والتوقف عن منعهم من التغطية من قِبل ممثلي سلطات الدولة، وضرورة تقديم بلاغات من جانب أي صحفي لدى تعرضه لأي انتهاك أثناء تأدية عمله، مما يفتح باب للتحقيق والمساءلة، وإصدار قانون ينظم حق الوصول للمعلومات المنصوص عليه دستوريًا.
الان

