بات الذكاء الاصطناعي عنصراً مألوفاً يزداد حضوره في الممارسات التعليمية الروتينية عند الأطفال.
وتوضح كاسبرسكي في هذا المقال كيف يستطيع الأهل مساعدة أطفالهم على استخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، وتبين أهمية تحقق الأطفال من إجابات الذكاء الاصطناعي، وتمييز «الهلوسات» التي تولدها الشبكات العصبية، والامتناع عن مشاركة البيانات الشخصية أو الخاصة بالمدرسة مع خدمات الذكاء الاصطناعي.
وتكشف ملاحظات كاسبرسكي أنّ اهتمام الأطفال بأدوات الذكاء الاصطناعي ينمو باطراد، لا سيما في ظل سهولة الوصول إلى هذه التقنيات ودمجها في مسار التعلم اليومي. وتزامناً مع عودة الأطفال إلى المدارس، يُتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي عنصراً طبيعياً في مسيرتهم الدراسية مثل محركات البحث، والقواميس الإلكترونية، والفيديوهات التعليمية. فقد يستعين الأطفال بمساعدي الذكاء الاصطناعي لفهم موضوع صعب، أو استنباط أفكار لكتابة مقال، أو مراجعة نص، أو حل واجب منزلي، أو إنشاء عرض تقديمي.
ومع فوائده التعليمية، إلا أن الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات جديدة؛ إذ ربما تختلق الشبكات العصبية تفاصيل تبدو واقعية وحقيقية أو تنتج صوراً خداعة، مما يضلل المستخدمين. ويقتضي هذا الأمر ألا تنحصر الثقافة الرقمية اليوم في معرفة طريقة البحث عن المعلومات؛ فلا بد للأطفال من اكتساب القدرة على التشكيك بالأمور التي يرونها، وتمييز التلاعب المحتمل، وحماية المعلومات التي يشاركونها.
اجعل الذكاء الاصطناعي مساعداً تعليمياً لا بديلاً عن أداء الواجبات المنزلية
عندما يستطيع الطفل توليد مقال أو الحصول على إجابة جاهزة عن مسألة رياضية خلال ثوان معدودة، فربما يدعوه ذلك إلى إرسال النتيجة أو الإجابة دون استيعابها. وصحيح أنّ هذا الأمر قد يوفر الوقت في حينه، لكنه يحرم الطفل من اكتساب المهارات الأساسية التي يحرص الواجب المدرسي على تنميتها.
لذلك، ينبغي للأهل أن يتفقوا مع أطفالهم على أنّ الذكاء الاصطناعي قادر على مساعدتهم لشرح مفهوم معين، أو اقتراح هيكل للإجابة، أو تقديم أمثلة، أو طرح أسئلة تدريبية شريطة ألا ينجز الواجب الدراسي بدلاً عنهم.
على سبيل المثال، بدلاً من أن يطلب الطفل من روبوت المحادثة «اكتب لي مقالاً»، يمكنه استخدامه للحصول على بعض الحجج، أو شرح المصطلحات الغريبة، أو تحديد مواطن الضعف في المسودة التي صاغها بنفسه. أما عند حل مسألة رياضية، فيمكن للطفل طلب شرح واضح لطريقة وخطوات الحل، ومن ثم يقوم بحل المسألة بنفسه مجدداً دون النظر إلى الإجابة. ومن المفيد أيضاً حث الأطفال على المقارنة بين إجابة الذكاء الاصطناعي وبين الإجابات الواردة في كتابهم المدرسي، أو ملاحظاتهم في الصف الدراسي، أو المراجع التعليمية الموثوقة، فهذا الأمر يحول التفاعل إلى نشاط تحليلي بدلاً من الاقتصار على مجرد النقل.
بيّن أنّ الذكاء الاصطناعي لا يعرف الحقيقة
تتجلى أبرز الأخطاء الشائعة في تلقي إجابات الذكاء الاصطناعي باعتبارها صادرة عن محرك بحث أو خبير مختص ومؤهل. لكن في الواقع، يولد النموذج اللغوي الردود والإجابات من خلال توقع الكلمات التي يُرجح تتابعها وفقاً للبيانات المستخدمة في تدريبه. وربما تكون الإجابة دقيقة، بيد أنّ النموذج قد يخلط أحياناً بين الحقائق، أو يختلق مراجع وهمية، أو يحيل إلى دراسة لا وجود لها، أو يصف حدثاً لم يقع قط.
يطلق على تلك الأخطاء غالباً مصطلح «هلوسات» الذكاء الاصطناعي. ويمكن للوالدين شرح هذا المفهوم للأطفال بعبارات بسيطة وواضحة؛ فنموذج الذكاء الاصطناعي لا يقدم دائماً معلومات يقطع بصحتها. فعندما لا يجد نموذج الذكاء الاصطناعي معلومات كافية، فإنّه يستعيض عن النقص بمعلومات تبدو مقنعة في ظاهرها لكنها غير صحيحة أبداً. لهذا الأمر، ينبغي للأطفال أن يدركوا قاعدة أساسية؛ كلما كان السؤال مهماً، وجب عليهم التحقق بدقة من الإجابة.
استخدم خمس أسئلة للتحقق من المعلومات عبر الإنترنت
يساعد طرح مجموعة بسيطة من الأسئلة الطلاب على التروي قبل نقل المعلومات إلى واجباتهم المدرسية أو التعامل معها كحقيقة تامة.
السؤال الأول: من أو ما مصدر المعلومات؟ فإذا ذكر مساعد الذكاء الاصطناعي كتاباً، أو دراسة، أو اقتباساً، أو حقيقة تاريخية فيتعين على الطفل التحقق من وجود المصدر الأصلي لهذه المعلومة والتأكد من موثوقيته.
السؤال الثاني: هل تتوافق الإجابة مع المهمة المطلوبة؟ فقد يقدم الذكاء الاصطناعي إجابة منقحة تبدو مُقنعة في ظاهرها، لكنها تخطئ في فهم السؤال المطلوب، أو تعتمد مستوى غير مناسب من التفاصيل، أو ربما يقدم حلاً لا يلتزم بتوجيهات المعلم.
السؤال الثالث: هل يمكنني توضيح الإجابة بأسلوبي؟ إذا عجز الطفل عن استيعاب منطق الإجابة أو إعادة صياغتها بأسلوبه، فعليه ألا يقدم تلك الإجابة باعتبارها جهداً ذاتياً منه.
السؤال الرابع: أين يمكنني التحقق من الإجابة؟ يجب التدقيق في الحقائق المهمة بمقارنتها مع كتاب مدرسي، أو ملاحظات الصف، أو مرجع تعليمي رسمي معتمد، أو عدة مراجع موثوقة.
السؤال الخامس: هل يجدر بي الاستعانة بشخص بالغ؟ إذا كانت المعلومات متعلقة بالصحة أو السلامة، أو مرتبطة بموضوع حساس، أو كانت مربكة بحد ذاتها، فإنّ سؤال أحد الوالدين أو المعلم يبدو خطوة منطقية في عملية التعلم.
يستطيع الأهل تطبيق ذلك الإطار العملي مع أطفالهم عند بداية العام الدراسي، وذلك عبر التحقق معاً من إجابة واجب مدرسي مولدة بالذكاء الاصطناعي، والتأكد من صحة مراجعها، ومناقشة الأجزاء المفيدة، أو غير الدقيقة، أو التي تستدعي إعادة كتابتها.
لا تسمح للأطفال بمشاركة معلوماتهم الشخصية مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
ربما يتوهم الأطفال أنّ المحادثة مع روبوت المحادثة تكون خاصة وسرية، وربما يشعرون أنّ الذكاء الاصطناعي رفيق موثوق يمكنهم مشاركة معلومات خاصة معه عن أنفسهم، أو عائلاتهم، أو مدارسهم، أو شؤونهم الشخصية.
ينبغي للأهل توضيح أنّ الأوامر والمحادثات قد يتم تخزينها واستخدامها (بحسب كل خدمة) لتحسين أنظمة الذكاء الاصطناعي أو تدريبها. لهذا، يجب ألا يشارك الأطفال أسماءهم الكاملة، أو عناوين منازلهم، أو أرقام هواتفهم، أو أسماء مدارسهم، أو كلمات المرور الخاصة بحساباتهم، أو وثائق هويتهم، أو تفاصيل بطاقاتهم البنكية، أو صور تذاكرهم، أو أي معلومات سرية أخرى. وتسري القاعدة ذاتها على بيانات الآخرين، فلا يجوز للأطفال تحميل صور، أو رسائل، أو مستندات خاصة بشخص آخر دون إذنه.
احرص على حماية الأجهزة بالتوازي مع تعزيز التفكير النقدي
يعد التفكير النقدي أهم وسيلة دفاعية للحماية من المحتوى المضلل المولد بالذكاء الاصطناعي، لكن يجب تعزيزه بتدابير الحماية التقنية الأساسية. فيتعين تفعيل خيار المصادقة الثنائية في حسابات الأطفال، مع ضرورة استخدام كلمة مرور فريدة وقوية لكل حساب. ولا بد من تحميل التطبيقات من مصادرها الرسمية حصراً، مع الحرص على تحديثها بانتظام. كما يفيد حل أمني موثوق مثل Kaspersky Premium في اكتشاف صفحات التصيّد الاحتيالي، والملفات الخبيثة، وغيرها من التهديدات السيبرانية.
ويمكن للأهل أيضاً مراجعة إعدادات الخصوصية مع أطفالهم، والتحقق من حجم المعلومات الشخصية التي يستطيع الغرباء الاطلاع عليها.
وينبغي تعليم الأطفال أساسيات الأمن السيبراني باستخدام أدوات تعليمية مثل Kaspersky Cybersecurity Alphabet، وهو كتاب مجاني متاح للتحميل يشرح المفاهيم الأساسية، وقواعد السلامة السيبرانية، وكيفية تجنب عمليات الاحتيال. ويستطيع الأهل تحسين مهاراتهم الرقمية عبر الالتحاق ببرنامج «السلامة السيبرانية» من كاسبرسكي؛ إذ يوضح هذا البرنامج التدريبي المبادئ الأساسية للسلامة عبر الإنترنت بأسلوب ميسر، ويساعد البالغين على امتلاك ثقة أكبر عند مناقشة أطفالهم بخصوص مواضيع متنوعة مثل كلمات المرور، والبيانات الشخصية، والتصيد الاحتيالي، والروابط المشبوهة، والاستخدام المسؤول للأدوات الرقمية.
يعلق على هذه المسألة أندريه سيدينكو، رئيس مشاريع التوعية ومحو الأمية السيبرانية في كاسبرسكي: قد يشكل الذكاء الاصطناعي وسيلة تعليمية قيّمة عندما يستخدمه الأطفال لاستكشاف موضوع معين، أو اختبار مستوى فهمهم، أو تنقيح مسودة مقال بدلاً من الاستعاضة به عن جهدهم وعملهم. وتتجلى المهارات الأساسية في عدم قبول إجابات الذكاء الاصطناعي دون تمحيص؛ فربما تبدو الإجابة المولدة بالذكاء الاصطناعي موثوقة ومترابطة في ظاهرها، غير أنها تحتوي على معلومات مختلقة، أو مراجع خاطئة، أو استدلالات غير سليمة.
وتابع “ويمكن للأهل المساعدة بهذا الخصوص عبر تشجيع الأطفال على التحقق من المعلومات المهمة بمقارنتها مع الكتب المدرسية والمصادر الموثوقة، وشرح الإجابة بأسلوبهم، وطلب المساعدة متى كانت الأمور غير واضحة. وتتيح هذه العادات للأطفال الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وتُكسبهم مهارات التفكير النقدي التي يحتاجون إليها طوال العام الدراسي”.

