نظمت مؤسسة الفكر العربي، على مدى اليومين الماضيين، ورشة عمل “التكامل العربي: جامعة الدول العربية”، والتى تندرج ضمن ورش العمل التحضيرية الست التي تعقدها المؤسسة وتستضيفها الأمانة العامة للجامعة بالقاهرة، في إطار الإعداد للتقرير العربي الثامن للتنمية الثقافية ولمؤتمر “فكر 14” المزمع عقده في مستهل شهر ديسمبر القادم تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وذلك بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس الجامعة العربية.
وانعقدت ورشة العمل بمشاركة عدد من الباحثين والخبراء من مختلف الدول العربية، بإدارة مُنسق الورشة البروفسور محمد الحسن ولد لبات وزير الخارجية الموريتاني السابق، وحضور الدكتور هنري العَويط المدير العام للمؤسسة، وأحمد الغز مستشار رئيس مؤسسة الفكر العربي الأمير خالد الفيصل، والسفير عبد اللطيف عبيد الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، والسفير طلال الأمين مستشار الأمين العام للشئون العربية.
وتقدم د.تاج الدين الحسيني، ود.حسين عزيز شعبان، ود.عبد الودود هاشم، والسفير محمد الأمين يحيى، ود.مجدي حماد، بأبحاث قيمة ورفيعة المستوى، تناولت على التوالي الموضوعات التالية: “تأملات في تأرجح الجامعة بين المراوحة والإصلاح”، “جامعة الدول العربية والمجتمع المدني”، “إصلاح الجامعة لإصلاح دول الجامعة، مقاربة في تسيير المتلازمات – العمل العربي المشترك وثنائية القول والعمل”، “الجامعة العربية والدولة المستقلة”.
كما شارك بفاعلية في أعمال الورشة مجموعة من الخبراء، من بينهم: د.حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، ود.مصطفى الفقي المفكر السياسي المصري، ود.فرح رشاد المندوب الدائم السابق لجيبوتي لدى اليونسكو، وأسمى خضر نائبة رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات بالأردن، ود.أمامة الكتاني الباحثة والأكاديمية المغربية، والسفير هاني خلاف المندوب الدائم السابق لمصر لدى جامعة الدول العربية.
واستعرضت ورشة العمل الأوراق المُقدمة من قبل الباحثين، والتي تناولت الأبعاد والجوانب المختلفة لإصلاح جامعة الدول العربية، والمحاولات التاريخية والمعاصرة لتطوير أنظمتها وآليات عملها وشروط ومقتضيات وآفاق إصلاحها، بما يخدم القضايا العربية وفي مقدمها قضية فلسطين، ويلبي حاجات الدول العربية وشعوبها في الظرف التاريخي الدقيق الذي تمر به الأمة.
وخلال المناقشات، رأى المشاركون أن النزاهة الفكرية تقتضي الاعتراف بأن الجامعة استطاعت أن تُحقق عدداً من الانجازات التي تُمثل نموذجاً ومؤشراً لما يمكن أن تقوم به الجامعة إذا ما توفرت لها جُملة من الشروط ذات الصلة.
واعتبر المشاركون أن العقود المتوالية أثبتت ضرورة بلورة وإعمال رؤىً جديدة خلاقة للنهوض بجامعة الدول العربية، وتحقيق الطموحات الهادفة إلى إقامة نظام إقليمي قوي يُحصن البلدان العربية تجاه تحديات التقاطب الدولي، ويؤمن تحقيق السلم والعدالة والديمقراطية والتنمية والتضامن السياسي والدبلوماسي، وكذلك التعاون والاندماج الاقتصادي العربيين.
كما أشاروا إلى أنه يتعين إعادة النظر بشكل جذري في مؤسسات جامعة الدول العربية وإجراءات عملها، ومن ضمنها آليات التصويت واتخاذ القرارات وتنفيذها.
وفي هذا السياق، أبرز المشاركون ضرورة تعديل ميثاق الجامعة، واستعرضوا الجهود التي بُذلت في هذا الصدد سواء من قبل لجان رسمية مختصة منبثقة عن الجامعة أو من خلال الأدبيات العربية عامةً.
وتبرز أهمية هذا الأمر إذا ما قورن ميثاق الجامعة بمواثيق المنظمات الدولية المشابهة، التي تضمنت مواد مواكبة للتطورات العالمية المعاصرة، بما في ذلك إعلاء القيم السامية لحقوق الإنسان وما يشمله ذلك من السماح بمبدأ التدخل الإنساني على نحو لا يتناقض مع السيادة الوطنية للدول، وتفعيل مشاركة وانخراط منظمات المجتمع المدني، وتعزيز مشاركة المرأة العربية والشباب العربي، وغير ذلك من متطلبات باتت ضرورية لمواجهة التحديات الراهنة.
من ناحية أخرى، حث المشاركون على ضرورة تحسين أداء جامعة الدول العربية في سياق “محنة النظام الدولي المعاصر”، وتضخم التدخلات الأجنبية لتفكيك الصف العربي وتعميق مسلسل التشرذم والتشظي الذي تعاني منه المنظومة العربية. وقد يتطلب الأمر، من بين أمور أخرى، السعي إلى صياغة وثيقة تؤسس لمبادئ حسن الجوار مع الدول الإقليمية والأجنبية المعنية.
وأجمع المشاركون على أن الإرادة السياسية للدول الأعضاء تُشكل الأساس والمنطلق الأساس في كل عملية إصلاحية جدية. فبدون توفرها القوي والمستمر، يظل مشروع إصلاح الجامعة عُرضة للتعثر أو مجرد حلم رومانسي.
وإذ يعترف المشاركون بأن وجود الجامعة في حد ذاته شكل بنية وإطاراً للحفاظ على نمط لا غنىً عنه من التواجد العربي الموحد يصلح، إذا ما تم إحداث الإصلاحات الضرورية، كقاعدة مناسبة للتكامل العربي ولتعزيز العمل العربي المشترك والتصدي للتحديات والكوارث السياسية التي يواجهها المجتمع العربي، فقد ركزوا على التوصيات التالية:
الدعوة إلى ضرورة النظر بجدية في العلاقة ما بين السيادة الوطنية للدول المستقلة وضرورة تعزيز صلاحيات الجامعة كمنظمة يستحسن أن تُعزز في ميادين مُعينة، تفوض فيها الدول الأعضاء الأمر إلى الجامعة، علماً بأن هذا التفويض لا ينتقص من سيادة الدول وإنما يُشكل تعزيزاً لتلك السيادة بتصور وإعمال سيادة جامعةٍ كلهم أعضاء مشاركون فيها ومُنفذون لها.
مراجعة علاقة الجامعة بالشعوب العربية، ويتجلى ذلك في مراجعة بنية البرلمان العربي وطريقة عمله وآليات اتخاذ القرار فيه، بل وإعطائه دورا تشريعياً يتجاوز المهام الاستشارية المنوطة به حتى الآن، وكذلك إعادة النظر في الميثاق العربي لحقوق الإنسان ونظام محكمة العدل العربية.
إعادة النظر في علاقة الجامعة العربية بالمنظمات غير الحكومية المُمثلة لطموحات المجتمع المدني المُتجدد الناهض في البلدان العربية، وما يتطلبه ذلك من اعتراف قانوني وشرعي بدور منظمات المجتمع المدني الإيجابي والتشاركي، والعمل على استقلالية هذه المنظمات وتحريرها من “الاختراق الحكومي” أو “التبعية الأجنبية”. ويُشكل تطوير النظم التعليمية في الدول الأعضاء أداة فعالة من أجل التوعية بأهمية ودور المجتمع المدني في تنمية المجتمعات.
الوعي بأهمية التواصل الاستراتيجي من خلال تطوير التقنيات الحديثة للاتصال بشكل يُعزز من الانتماء القومي العربي ويحفظ التنوع الثقافي في الوطن العربي، حتى لا تشعر المكونات الثقافية الفرعية بالتخوف أو النفور من المنظومة العربية التي هي الحاضنة للأمة بمختلف تنوعاتها الثقافية والفكرية والروحية.
تحييد العمل العربي الاقتصادي عن العراقيل السياسية، وضرورة تحقيق هذا العمل بصورة أكثر منهجية، باعتماد خطوات مرحلية منسجمة بعضها مع البعض.
عدم تحميل الأمانة العامة المسؤولية في مظاهر المراوحة والمآخذ على أداء المنظمة، إذ المسؤولية الأولى تعود إلى الدول العربية في مُجملها وفيما لا توفره من الوسائل السياسية والدبلوماسية والبشرية والمالية لعمل الأمانة العامة.
في ظل الكارثة التي تعصف ببعض الدول العربية وتُهدد الأخرى بتسرب العدوى إليها، يصبح من الضروري والمُلح جداً أن تجعل الجامعة من السعي الجاد لإنقاذ تلك الدول وسيلةً ومُحفزاً لإحداث الوثبة التي تتطلع إليها كل القلوب العربية. وفي هذا المعنى، يتأكد دور “الرافعة” للجامعة العربية، مما يُضاعف الأعباء الملقاة على مجموعة محدودة من الدول العربية التي تستوفي شروط “الرافعة”، كما هو الحال في بعض المنظمات الدولية الشبيهة.
إن عملية الإصلاح تقتضي تنظيم حملة تعبئة شاملة على مستوى الوطن العربي كله، للتحسيس والتوعية بضرورة إجراء عملية الإصلاح المرجوة، تشمل النخب الفكرية، وهيئات المجتمع المدني، وصُناع القرار، ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والافتراضية، ليتم على نطاق واسع تبني مشروع إصلاح الجامعة وحشد الطاقات من أجل تحقيقه.
الان

