وجد الرئيس أوباما نفسه حيث لا يريد أن يكون عندما أمر بإطلاق عملية عسكرية جديدة في العراق. وبذلك، وعلى أمل إنهاء الحرب الجارية هناك، أصبح أوباما الرئيس الرابع على التوالي الذي يأمر بمثل ذلك في بلد بات يُشكل مقبرة للتطلعات الأمريكية،
ولكن الولاية التي اعطاها للقوات المسلحة كانت محدودة أكثر من تلك التي اعطاها أسلافه، وركزت أساساً على القاء مواد إغاثية من ماء وطعام بواسطة المظلات. لكنه أجاز أيضاً شن ضربات جوية ” إذا لزم الأمر” لاستهداف المتشددين الإسلامين الذين يتقدمون نحو العاصمة الكردية أربيل وغيرها مما يهدد بالقضاء على الآلاف من الأقليات الدينية الذين يحتمون بقمة جبل سنجار.
وبحسب تحليل الصحفي بيتر بيكر في “نيويورك تايمز”، فأنه كما أوضح أوباما للأمريكيين في خطاب متلفز من البيت الأبيض، فإن الرئيس الذي سحب القوات الأمريكية من العراق في نهاية عام 2011 لا ينوي الدخول في حرب شاملة أخرى هناك وذلك في محاولة لطمأنه الأمريكيين الذين أنهكتهم الحروب السابقة. ومع ذلك فإن مجرد وجوده في قاعة الدعوات الرسمية في البيت الأبيض تدل على واقع كئيب يكشف بأن امتداد أعمال العنف في هذا البلد المغرق في القدم قد تحدى توقعات الرئيس وتطلعاته السابقة.
وقال “أعلم أن الكثيرين منكم قلقون عن حق بشأن أي عمل عسكري أمريكي في العراق حتى ولوكان على شكل ضربات محدودة مثل الضربات الراهنة. أفهم ذلك. لقد دخلت سباق الرئاسة بناء على برنامج انتخابي يتضمن في جزء منه إنهاء حربنا في العراق والترحيب بقواتنا على أرض الوطن. وهذا ما فعلناه. وبصفتي القائد الأعلى، لن أسمح بأن تنزلق الولايات المتحدة نحو حرب جديدة في العراق”.
لقد أمضى أوباما أشهر وهو يُعارض ذلك تماماً. ولم يعرب في أي وقت من الأوقات عن أي حماس للقيام بأي عمل عسكري في العراق حتى بعد قيام تنظيم الدولة الاسلامية ـــــــ داعش ـــــــ بالاستيلاء على الفلوجة والمناطق الأخرى غرب العراق في بداية السنة، وقيام التنظيم بالسير نحو الموصل وبغداد بحلول الصيف. وكان الرئيس قد أرسل في شهر حزيران الماضي 300 جندي من القوات الخاصة لتقييم الوضع وليس للقتال، وهو تقييم لم يتم الانتهاء منه بعد، وقام بزيادة عدد مرات مرور الاقمار الصناعية العسكرية الأمريكية فوق العراق. لكن أوباما رفض بشكل دائم الدعوات، بما فيها الصادرة من داخل إدارته، للإسراع في إرسال الطائرات الحربية لتنفيذ هجمات جوية ضد مقاتلي داعش.
وقال مساعدون للرئيس أن أوباما أُجبر على القيام بهذا العمل بعد أن تمكنت داعش من تحقيق سلسلة انتصارات سريعة ومذهلة في نهاية الأسبوع الماضي، وفي مساء يوم الاربعاء ضد الأكراد في الشمال وهم حلفاء مخلصون وموضع ثقة الولايات المتحدة لا سيما بالمقارنة مع حكومة بغداد التي يرأسها المالكي. وأضاف هؤلاء أن تهديدات داعش بالقضاء التام على الايزيدين والأقليات الدينية الأخرى المحاصرين في جبل سنجار شكل عامل اضافي للعجالة في اتخاذ هذا القرار.
يقول دوغلاس أولفانت، مستشار سابق في البيت الأبيض لشؤون العراق في عهد الرئيسين بوش وأوباما “لا يتطلب الأمر أن يكون لديك طن من نفاذ البصيرة لتعرف أنه يشعر حيال ذلك بالتردد. إنه يريد أن تكون مشكلة العراق لا وجود لها. وهذا هو بالضبط ما أختاره الشعب الأمريكي للقيام به”. ولكن “كل هذه المستجدات في العراق تدفعه لاتخاذ قرار بشكل أو بأخر”.
وبالنسبة لمعارضي الحرب في العراق، يُمثل قرار الرئيس خطوة إلى الوراء نحو مسار خطير يُمكن أن يؤدي إلى توريط الولايات المتحدة مرة أخرى في مغامرة دموية ومدمرة. وهم يعتقدون أنه من الأفضل بكثير إيجاد بدائل أخرى مثل حث الأمم المتحدة على مساعدة العراقيين للقيام بأنفسهم بعمليات الاغاثة الجوية الانسانية.
يقول فيليس بنيس، الباحث في منظمة بحثية لنشطاء السلام، ” هذا منحدر زلق على قدر علمي.. ومهما يكن ما تعلمناه من حرب الرئيس الغبية، يجب أن يكون واضحا لنا بشكل بارز أننا لا نستطيع قصف المتطرفين الإسلاميين بهدف إخضاعهم أو القضاء عليهم. كل قنبلة تجند المزيد من المؤيدين “.
آخرون لا يتفقون مع هذا الرأي. يقول عضو الكونغرس آدم سميث عن ولاية واشنطن، والديمقراطي البارز في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب “لا أعتقد أن هذا منحدر زلق. هذا ظرف يختلف عن كل الظروف الأخرى”، وهو يؤيد التدخل نيابة عن الأكراد، ويعارض في نفس الوقت حكومة بغداد التي لا تحظى بشعبية في أوساط العراقيين. “الأكراد جديرون بالمساعدة والحمايــة”.
ويعتقد البعض أن هذه أزمة جلبها أوباما على نفسه من خلال عدم محاولته التفاوض بشكل جدي للتوصل إلى اتفاق على بقاء وجود عسكري صغير في العراق في نهاية عام 2011 بعد انسحاب كامل القوات الأمريكية من هناك، ومن خلال عدم إدراك الخطر المتزايد بسبب الحرب الأهلية في سورية وامتدادها على نحو متزايد إلى العراق. ويجادل البعض بأن وجود دولة افتراضية تحت سيطرة تنظيم داعش تشكل أكثر من مجرد تهديد ببعد إنساني والذي بدا أوباما أنه يركز عليه.
يقول ريان كروكر، السفير السابق في العراق في عهد بوش وفي أفغانستان في عهد أوباما، ” يتعلق هذا الأمر بالأمن القومي الأمريكي . نحن لا نفهم الشر الحقيقي، الشر المنظم، بشكل جيد للغاية. هذا هو الشر بعينه. ناس مثل أبو بكر البغدادي يقاتلون منذ عقد من الزمان برؤية المسيح المخلص، وهم لن يتوقفوا في مسيرتهم عند أي حد”.
ولكن إذا كانوا فعلاً لن يتوقفوا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه : إلى أي مدى أوباما على استعداد للسير على هذا الطريق ؟ ويوم الخميس قال أنه “لا يوجد حل عسكري أمريكي” للأزمة في العراق، مشيراً مرة أخرى إلى ضرورة وجود حكومة شاملة سياسية جديدة في بغداد. ولكنه لم يقل ما قد يفعله اذا فشل ذلك. وفي الوقت الذي يؤكد فيه مساعدون أن المهمة الحالية محدودة، فإنهم يقرون بوجود سيناريوهات لتوسيعها اذا اقتضى الأمر. لقد سعى أوباما أيضاً ليشرح لماذا تتطلب هذه الحالة الإنسانية الطارئة التدخل العسكري الأمريكي في حين أن ذلك لم يحصل في أماكن أخرى. وكان أوباما قد أوضح في مؤتمر صحفي منذ أسبوع فقط أن الولايات المتحدة لا تستطيع التدخل في كل مكان يعاني من أزمة ما.
يقول جيمس شتاينبرغ نائب وزير خارجية سابق في عهد أوباما والآن عميد كلية ماكسويل في جامعة سيراكيوز في نيويورك “لا أحد يدرك لماذا يتم الأمر على هذا النحو في بعض الحالات وليس في غيرها. في مؤتمره الصحفي الأخير يترك أوباما المرء يحك رأسه. نعم، لا نستطيع أن نفعل كل شيء. ولكن هل تعنينا كل الأزمات في العالم؟”.
ويُشكل العراق، بطبيعة الحال، حالة خاصة نظراَ لكمية الدم المراق منذ الغزو الأمريكي الذي قام به بوش في 2003. وفوق ذلك، قال أوباما أن هذه حالة تمثل كارثة حقيقية قيد الحدوث. لقد طلبت حكومة العراق المساعدة، ولدى الولايات المتحدة القدرة على التدخل وإحداث تغيير، موضحاَ بأن “الولايات المتحدة لا تستطيع، ولا يتعين عليها أن تتدخل في كل مرة يوجد هناك أزمة في العالم”. لكنه أضاف بأنه يعتقد في هذه الحالة بالذات “أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تغض الطرف”.

 

اترك تعليق